بين العلم والإيمان أو (الدين) , وكأنهم جعلوا الإيمان –بقولهم هذا- عقبة في طريق العلم , وما أظن أن ديناً نزل من السماء إلا وعمارة الأرض مما يدعو إليه , وكفى بالعلم عامراً , وما نزل دين إلا لهداية البشرية التي لا حاجة بها أعظمَ من حاجتها للنور الإلهي الذي خلقها ويعلم فاقتَها وحاجتَها وصلاحَ أمرها , وهل العلمُ إلا مشعلٌ من مشاعل الهداية ؟ وما أظن أن قوماً سُبوا بما علموه من علم الدنيا إلا أن يكون ذلك مبلغَ علمهم , ويكون شاغلاً لهم عن العلم الذي خلقوا من أجله وهو العلم بالله والآخرة , واقرأ إن شئت : (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) ولذلك كان مما يدعو به المسلمُ ربَّه : (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همي , ولا مبلغ علمي ...) وكذلك قولَ الله تعالى : (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) فاعجب له يجهد في أمور الدنيا وكأنه ما خلق إلا لها .
كنت جالساً وأبي وزوجُ أختي إذ عُرض برنامجٌ في التلفاز كان اسمُه : ( إذا هم يشركون) . كان الحديثُ في تلك الحلقة عن العلم والإيمان أو (بين العلم والدين) , وهو موضوع –كما ترى- ذو شجون ما تكاد تمسك بطرف خيطٍ له حتى يجرك ذلك الخيط إلى أدغالٍ مظلمة وغاباتٍ موحشة من الشك والحيرة , وهي ليست كذلك لمن معه قبسٌ من وحي ربه , وعدة عتيدة من الإيمان الجازم والتصديق الحازم الذي لا يشوبه مثقال ذرة من شك , وكم خائضٍ فيه من دون ذلك القبس وتلك العُدة غرق في ظلمة الكفر , وتاه في غياهب الإلحاد والزندقة , فأعلن الثورة على الأديان السماوية , وأنكر وجودَ خالقٍ مدبر لهذا الكون البديع فخسر (الدنيا) والآخرة . وإنك لتعجب من حماس أولئك الملحدين ضد الدين , أفلا ترون أن إلحادهم من العِظَمِ بحيث لا يُستساغ لهم أن يكون بسبب ما اكتشفوه من العلم ؟ أم أنه بسبب حنقهم على الدين ؟ وهل في الدين ما يثير الحنق والبغض ؟ أم أن كل ذلك حدث كردة فعلٍ لقمع الكنيسة وتسلطها , فقد كان في العلم ما يناقض أفكار الكنيسة مما أحفظها على كثير من العلماء فشردت بهم واحتالت لهم وأهدرت دماء بعضهم , فهل يُعذر الملحدون لذلك ؟ . لقد كان جاليليو مثلاً من أوائل من قال إن الأرض تدور حول الشمس وكانت الكنيسة تعتقد أن الأرض هي مركزُ المجموعة الشمسية فطاردتْه ولم تدعْه ليعيش بسلام آخرَ عمره حتى أعدمته وقطعتْ رأسه فكأنه لم يُخلق له رأس . والعجبُ أن الكنيسة لما تبيّن لها خطأُها بعدُ , وصارت مركزيةُ الشمس حقيقةً لا تقبل الجدل , اعتذرتْ عن قتلها لجاليليو بعد سنوات . إن المشكلة أن قد غاب عن أولئك الملحدين وعن رجال الكنيسة كذلك حقيقةٌ كبرى لا يعترف بها من يعرفها من رجال الكنيسة , ولا يمنعهم من الاعتراف بها إلا الكِبر والحسدُ , وهي أن الدين الذي يحاربه الملحدون مُحرفٌ طالتْه أيديٍ بشريةٌ فزادتْ فيه ونقصت وشوهت من معالمه , وأعطتْه نكهةً من الخرافة والدجل جعلت العلماء يحاربونه ويسخرون منه وينقضونه بما اكتشفوه من حقائق , فأثاروا بذلك غضب الكنيسة عليهم فلاحقتهم مما جعل أولئك الملحدين يطلقون حُكمَهم الجائرَ على الأديان ويطلقون التهم جزافاً عليها بما فيها الإسلام , ولو أنهم آمنوا بتلك الحقيقة لكانوا على غير أمرهم الذي كانوا عليه , وإلا فليس من المعقول أن يتعارض العلمُ مع الدين إذا افترضنا أن اليهودية والنصرانية مثلاً غيرُ محرفتين , لأنهما إنما كانتا مُنزَلَتَيْنِ من السماء وبهدي من الله تعالى الذي خلق كل شيء و يعلم كل شيء , فهل يُعقل أن يتعارض ما أنزله الله مع ما خلقه ؟ ولذلك كان في الإسلام -الذي تكفل الله بحفظه إلى يوم القيامة- ما يحل كثيراً مما تعقد عند العلماء , وما ينقض أفكارَ الملحدين والزنادقة , إذ لا نزال نجد الكثيرَ من الفتوحات العلمية مصدقةً لما جاء به القرآنُ المعجز , ولا نزال نرى أفواجاً من العلماء يدخلون في دين الله لما علموا من الحق ولما كان في قلوبهم من الإنصاف .
كنا قد ذُهلنا عن مشاهدة الحلقة , فقد أخذنا بريقُ العنوان بالحديث عنه دون أن نتابعَ البرنامج , فكان أن سكتنا هنيهةً فشدنا ما تحدث عنه مقدمُ البرنامج من قصة أحد أولئك العلماء , فذكر المقدمُ أن قد كان لذلك العالم تجربةٌ أجراها على بعض البشر والكلاب في بحثٍ له عن الروح , فلما علمنا بموضوع البحث أيقنا بالنتيجة التي سيصل إليها . كانت التجربةُ في أربعةٍ مصابين بمرض السل ميئوسٍ من حياتِهم , وُضع كل منهم على ميزان , فرأى ذلك العالم أن أوزانهم تتناقص بقدر واحدٍ وعشرين غراماً إلى أن ماتوا , فاستنتج أن روح الإنسان تزن واحداً وعشرين غراماً فوا عجباه ! أما الكلاب فوجد أن أوزانها لا تتناقص فاستنتج أن ليس لها أرواح , وليت شعري أين هو من قول الله تعالى : (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)
ذهبنا في الحديث كلَّ مذهب , وتشعب بنا الكلامُ حتى دخلنا في مواضيعَ كثيرة , لها علاقة بشكل أو بآخرَ بما بدأنا به حديثَنا , فكان من ذلك أن أخذنا نتذاكر بعضاً من الاكتشافات العلمية التي بهرت العلماء أن كانت في ديننا منذ أنزل الله تعالى كتابه الكريم على رجل أمي في الصحراء , في قوم هم أبعدُ ما يكونون عن تلك الحقائق المعجزة , فكان من ذلك اكتشافاتُ العلماء في الطب والفلك , إلى أن أوردَنَا الكلامُ مواردَ منكرةً لم نجد لها طرقاً إلى عقولنا كي نصدقها , إذ إن هناك طائفةً ممن يتكلفون في ربط بعض الاكتشافات العلمية بآياتٍ من القرآن , وربما لووا أعناق الآياتِ وحملوها فوق ما تحتمل , وربما اختلقوا ووضعوا , وقد لا يكون لديهم من العلم ما يخولهم في الحديث عنها أصلاً , من ذلك ما زعموا أن علماء الفلك اكتشفوا أن القمر يقترب ثلاثة سنتيمترات كل سنة من الشمس , وأن ذلك مصداق قول الله تعالى : (فإذا خسف القمر ¤ وجمع الشمس والقمر) , فنحن نعلم أن ذلك كائنٌ لا محالة في يوم القيامة , ولكني أظن أننا أخطأنا من حيث أردنا الصوابَ إذا اعتقدنا بصحة ذلك , فلربما فتحنا أبواباً للبدعة عند بعض المتعالمين وضعاف النفوس , فقد يجيء غداً من يدعي علمَ الساعة ويحدد لنا بالضبط متى موعدُها , فإن علماءَ الفلك يستطيعون تحديدَ الموعد الذي يجتمع فيه القمر والشمسُ إذا كانوا يعلمون أن القمر يقترب ثلاثة سنتيمترات كل سنة من الشمس ببضع معادلات رياضية , وغيرُ ذلك كثيرٌ من الاكتشافات الغريبة والمضحكة أحياناً . ورضي الله عن عمرَ بنِ الخطاب , فقد كان يتورع عن تفسير القرآن بما لم يسمعه من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو هو بمكانته في العلم والدين واللغة , فقد سئل مرة لما قرأ قولَ الله تعالى : (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) عن الأبّ , فرجع إلى نفسه وقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر وما عليك أن لا تدريه ! . وإن لنا فيك يا أميرَ المؤمنين أسوةً حسنة , ويا ليت قومي يعلمون !