كان من أهداف البرنامج إبرازُ المواهب الشعرية المغمورة وتقريبُ الشعر بين يدي عامة الناس, وأعتقد أنه حقق جزء كبيراً من ذلك, فقد رأينا شعراءَ ذوي تجربة شعرية ناضجة, وإحساس مرهف, استطاعوا أن يتركوا في نفوس المشاهدين أثراً كبيراً, وأن يخلدوا ذكرَهم بأبياتهم التي سارتْ ببعضِها الركبانُ (الشاشات). ولكن مع ذلك لم يسلم البرنامج من بعض الملاحظات التي لا بد من بعضها لأي مشروع رضيع. أنا لست هنا لكي أتناولَ تلك الملاحظات, ولست هنا لأتكلم عن ما يُشاع عنه من أنه أثار النعرات القبلية –وإن كنتُ أرى أن في ذلك شيئاً من الصحة- ولستُ هنا أيضاً لأتكلم عن ما يُقال عنه بأن هدفـَه ربحي, وإلا فلماذا جعل المنظمون الكلمة الفصلَ في ترشيح أي شاعر للجمهور؟ فقد رأينا شعراءَ وصلوا إلى نهاية البرنامج وهم ليسوا أهلاً لذلك, ورأينا أيضاً من كان أهلاً لمراكزَ متقدمة ولكنه تأخر لأنه لم يجدْ (لابةٍ) يرشحونه, ثم ألم يكن ذلك تقليلاً من شأن لجنة التحكيم؟ لماذا جُعل لهم الثلثُ فقط من القرار؟ ولستُ هنا أيضاً لأتكلم عن الإسراف في الغناء الذي رأيناه, فلم تخلُ أمسية من أماسي البرنامج من حفلة غنائية, بل تطور الأمر حتى بدؤوا باستضافة فرق شعبية -هي أبعد ما تكون عن الفن- بحجة الوفاء للتراث العظيم, وأي تراث تلك الرقصاتُ المُخزية التي أدّتـْها تلك الفرق؟
كلا, أنا لست هنا لأتحدث عن ذلك كله, فما يهمني الآن هو أن البرنامج كان للشعر النبطي أو العامي, وموقف أهل الأدب من هذا الشعر معلوم. في الحقيقة لا أدري هل الشعر العامي يستحق مثل هذا البرنامج؟ انتظروا .. هل ترون في سؤالي السابق إجحافاً في حق ذلك الشعر؟ إذن دعوني أسألْ سؤالاً آخر, ألم يكن الشعرُ العربي الفصيحُ أولى من الشعر العامي بمشروع كهذا؟ ربما يجرنا هذا السؤال إلى الحديث عن حال الفصحى في هذا الزمن, وكيف صار من يتحدث بها موضعَ سخرية من الجميع –أو دعوني أقل من كثير من الناس- وهذا ما لا أريد الحديث عنه أيضاً, ولكن المشكلة في أرباب الشعر العامي –أو بعضِهم- الذين يدافعون عنه ويبالغون في ذلك, وربما نسخوا العربية الفصحى بالعامية, فلم تعد الفصحى تعيش معهم إلا في الصلاة وبعض الصحف التي يطالعونها, وإن جودلوا قالوا: إن الشعر العامي ابن شرعي للشعر الفصيح ! ألا تشاركونني الرأيَ في خطورة هذه الفكرة؟ ابن شرعي؟! ألا ترون معي أن في ذلك خلطاً في الأنساب؟ ماذا فعلتْ الفـُصحى كي تـُهانَ وتُنسبَ العامية إليها؟ وهل تستحق العامية كل هذا التعظيم لتـُنسبَ إلى الفصحى؟
إننا حينما ندافع عن العامية بهذه الفكرة نسيء إلى الفصحى من حيث لا نشعر, إذ لا مجال للمقارنة بينهما, فلن تبلغ العامية الركيكة عشرَ الفصحى في ألفاظها وتراكيبها وأساليبها, ولا يمكن أن تلدَ لغةٌ بهذه العظمة ولداً مشوهاً كالعامية؛ كما أني في المقابل لا أرفض العامية رفضاً تاماً, ولا أستطيع ذلك أصلاً, لأنها اللغة التي نتحدث بها ولا مناص لنا منها, بل أرفض أن ندافع عنها بأشياء لا تستحقها, وأن نستبدلَها بالفصحى في أنشطتنا الثقافية. ولذلك أعتقد أن أولئك الذين يقولون بأن الشعر العامي ابنٌ شرعي للفصيح مخطئون, وأنهم حينما يدافعون عنه بزعمهم هذا مبالغون في الخطأ.






said:


من المملكة العربية السعودية