مرحباً بالجميع ..
أحببت أن أقطف لكم ثمرات من بستان الشاعر الغزِل قيسِ بن الملوح (مجنون ليلى) . أبدأها بثلاثة أبيات عجيبة قرأتها منذ زمن وهي التي جعلتني أحدثكم عنه اليوم . انظروا إلى رقته ودقةِ نظرته وصدق عاطفته ، يا لله كيف اهتدى إلى مثل هذا المعنى ؟!
فَبُعْدٌ وَوَجْـدٌ واشْتِـيَاقٌ وَرَجْفَـةٌ |
|
فَلاَ أَنـتِ تُدْنِينِـي وَلاَ أَنَا أَقْـرُبُ |
|
كَعَصفُورةٍ فِي كَفِّ طِفْـلٍ يَزُمُّهَـا |
|
تَذُوقُ حِياضَ المَوتِ والطِّفلُ يَلْعَـبُ |
|
فَلاَ الطِّفلُ ذُو عَقْلٍ يَـرِقُّ لِمَا بِهَـا |
|
وَلاَ الطَّيرُ ذُو رِيشٍ يَطِيـرُ فَيَذهَـبُ |
إنه إلهامه الخاص الذي يستوحيه من نفسه ، ولولا حبُّه المجنون لما رأتْ تلك الفرائدُ والبدائعُ النورَ !
إنها مأساتُه وقدرُه الذي ابتلاه الله به :
خَلِيلَـيَّ لاَ وَاللهِ لاَ أمْـلِكُ الَّـذي |
|
قَضَى اللهُ فِي لَيْلَى ولاَ مَا قضَى لِيَـا |
|
قَضَاها لِغَيْـري وَابْتَلاَنِـي بِحُبِّـها |
|
فَهَلاَّ بشَـيْءٍ غيْـرِ لَيْلَـى ابْتلاَنِيَـا |
ولولا بلاءُه لما كان مرهف الحس ثاقبَ النظرة بديعَ المعاني :
وَيَومٌ كَظِلِّ الرُّمْـحِِ ..
سهل اللفظ ، سلس الطبع ، لا تجيء معانيه تكلفاً ولا تصنعاً :
فَيَا لَيْلَ كَمْ مِنْ حَاجَـةٍ لِي مُهِمَّـةٍ
إِذَا جِئْتُكُمْ بِاللَّيْـلِ لَـمْ أدْرِ مَا هِيَـا
فَمَا طلَعَ النَّجْـمُ الَّذي يُهْـتَدَى بِـهِ
وَلاَ الصُّبْحُ إلاَّ هيَّجَـا ذِكْرَهـا لِيَـا
يرى حبيبته في كل شيء ، لأنها كل شيء !
ذكراها لا تفارقه ، هي أنيسه :
وأخْـرُجُ مِنْ بَيْنِ الْبُيُـوتِ لَعَلَّنِـي
أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ بِاللَّيْـلِ خَالِيـا
ودليلُه :
إِذَا نَحْـنُ أدْلَجْنَـا وأَنْـتِ أمَامَنَـا
كَفَـى لِمَطَايَانَـا بِذِكْـرَاك هَادِيَـا
وشغلُه :
أرَانِي إذَا صَلَّيْـتُ يَمَّمْـتُ نَحْوَهَـا
بِوَجْهِي وَإِنْ كَانَ المُصَلَّـى وَرَائِيَـا
إنه الحبّ !
يعصِرُ من أفئدةِ المحبين ألواناً ليرسمَ للعالمين لوحاتٍ بديعة . .
قيس !
أنت لوحة كُتب لها الخلود !







