ساماتو بوتو
المدونة الشخصية لأسامة العتيك
زعيم الحداثيين الذي يصلي !
 
 

زعيم الحداثيين الذي يصلي !                     

 

ههههه ، لكي أدخلَ في الموضوع ، ولكي تعلموا كم هو شائكٌ هذا الموضوع ، لمّا كتبت هذه الجملة في برنامج Word : " زعيم الحداثيين الذي يصلي !" ، وضع البرنامجُ خطاً أحمرَ تحت كلمة (الحداثيين) ليشيرَ إلى أنها خاطئة ، فقلت: لا عجب ، فهذا الجهازُ وليدُ (مجتمع محافظ) كما يرى الدكتور الغذامي .

لقد فجّرها الغذامي في صدرِ كتابه (حكاية الحداثة في السعودية) ولم يستطعْ كتمان الغبن الذي يشعر به ويشعر به زملاؤه الحداثيون من المجتمع المحافظ الذي ذكر الدكتور أنه السبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب . فقصة الحداثة في مجتمع كهذا قصة مثيرة بلا شك ولا بد من الوقوف عند أدق تفاصيلها لمحاولة فهم جدلية المحافظة والتطوير خاصة في هذا الوقت الذي هدأتْ فيه شُعلة (الصراع) الذي شهده ذلك المجتمع بينه وبين الحداثة لمحاولة التفسير والتصحيح والاستدراك .

ليس من الغريب وقوف ذلك المجتمع أمام موجة الحداثة ، ومحاولتُه لوأدها أمرٌ طبيعي ، بل على أصحابها أن يتحملوا ما سيواجهونه في سبيلها ، لأن من سمات المجتمعات التقليدية ذات (النسق الساكن) هو الثورة ضد ما هو جديدٌ ومخالف للموروث ، والتشكيكُ في مصداقية أصحاب ذلك الجديد ، وتشويهُ الخطابِ الذي يظهر به . أعتقد وأظنكم كذلك- أن هذا أمرٌ طبيعي ، وأنه لو كان الأمر بهذه البساطة فلا شك أن موقفَ المجتمع سيكون أقوى وأظهرَ وأقربَ إلى التأييد ، ولكن المشكلةَ التي يراها الدكتور هي طبيعة ذلك الموقف والشكل الذي يتخذه مقابل الحداثة . لقد بدأ الغذامي بذكر بعض المواقفِ غيرِ المتعقلة التي وقفها رجالُ الصحوة كما وصفهم-ووصف حدةَ تلك المواقف وذكر أنها ببساطة مواقفُ عاطفية افتقرت إلى أبسط أشكال الموضوعية لأنها بُنيتْ على فهمٍ ضعيف للحداثة . ولذلك حاول أن يضع اليدَ على تعريف للحداثة ينطلق الجميع منه ، ولكن المشكلة أيضاً هي في التعريفِ نفسِه ، فليس لها تعريف محدد واضح ، بل هي حالة فكرية كلية تشمل أنماط المعيشة والحياة .

إن ضبابية الحداثة في نظري- هي سبب وجيه لكل ما عانتْه وتعانيه ، وتؤكد ضعفَ أصحابِها وتقصيرَهم في الواجب الذي يرونه والمشروع الذي يتبنونه ، ولا أريد أن أقولَ أيضاً إنها تبرر موقفَ المجتمع الحاد ضدها . ويدعم هذا الزعمَ رؤيةُ الغذامي نفسِه لمفهوم الحداثة ، فهو يرى أن الحداثة باختصار هي (التجديد الواعي) وهو وإن كان يظن أنه أحاط بها إلا أن كلمة (التجديد الواعي) تبقى غائمةً بعض الشيء ، فما هو التجديد الذي يقصده ؟ وما هي أبعاد ذلك الوعي؟

هل التجديدُ يقتضي قطعَ الصلةِ بالموروث مثلاً ؟ وهل علينا لكي نجدد- أن ننقضَ الموروثَ ونجتثَّه من جذوره كما يريد أدونيس ؟ ولكي تتضح الصورة أورد الغذامي تأسيسَ الدولة السعودية المُوحدَة مثالاً وأنموذجاً يحاول أن يوضحَ لنا ما يقصده ، فقد كان من أشكال التأسيس إنشاءُ (الهِجَر) لنقل الحياة من البداوة إلى المدنية ، وإنشاء أنظمةِ التعليم والعمل وغيرِها ، وهي أنظمة مُباينة لنمط المعيشة القبلي ، وتشكل ثورةً على النظام الاجتماعي السائد في ذلك الوقت . ولكي تتضحَ الصورةُ أكثر ذكر أنه صاحَبَ ذلك الوعيَ السياسيَّ خطابٌ ثقافيٌّ واعٍ تمثّل في بعض الشخصيات إبّان تلك الفترة ، حيث ظهر السؤالُ الذي لم يجد إجابةً حتى يومنا هذا وهو : ( هل من مصلحة الأمة العربية أن يحافظ كُتّابُها وخطباؤها على أساليب اللغة العربية الفصحى ، أو يجنحوا إلى التطور الحديث ويأخذوا برأي العصريين في تحطيم قيود اللغة ، ويسيروا على طريقة حديثة عامة مطلقة ...؟) . لقد أورد الغذامي كل هذا ليشرحَ كلمة (التجديد) وأسهب في ذلك ثم ذكر مصيرَ ذلك الخطاب وأنه حُورِبَ وغُيِّبَ ونُفي أصحابُه ليؤكد ما بدأ به من سمات المجتمع التقليدي في وجه مثل ذلك الخطاب ، ولكن لو عدنا إلى المثال وتأملناه قليلاً لوجدنا بعض الكلمات التي تثير علاماتِ الاستفهام ، فلو نظرنا إلى ذلك السؤال لوجدناه يقف موقفاً صُلباً ومتطرفاً في كلتا الحالتين ، فلماذا إما المحافظةُ أو (التحطيم) ؟ ألا يعني ذلك وقوفَ موقفٍ عدائي ضد التراث ؟ وهل هذا الموقف يهدد التراث ؟ وما الذي يعنيه ذلك ؟ . وهذه مشكلة أخرى في نظري ، فتلك الحدية شككت في أهداف الحداثة وأصحابها وضاعفتْ الشعور برفضها ، فأحدهم في لقاءٍ معه في إحدى القنوات يقول بمنطق ساذج : (لا يمكن أن نأخذ من الحداثة الحاسبَ الآليَّ والتلفازَ فقط) وهو وإن كان يُعد حداثياً إلا أنني أظن أن الحداثيين يعدونه نقصاً ويخجلون إذا عُدّ معهم وإن بعض الظن إثم.
 
 
للحديث بقية لا أدري متى تأتي :)
 
والسلام ,


<<الصفحة الرئيسية